كنت ولا زلت أقول لخريجي المالية الجدد بأن يتخصصوا في أحد مجالات الاستثمار العديدة. المجال الاستثماري لا ينحصر فقط على مجال تداول الأسهم. الغالبية من خريجي الجامعات يريدون العمل في شركة استثمارية ولا يريد العمل الا في مجال الأسهم لأنه يعتبر من المجالات الممتعة والسهلة بشكل عام. لكن هذا خلق لدينا شح كبير في مجالات الاستثمار الاخرى مثل الاستثمار في السندات أو العقار على سبيل المثال. هذا الشح خلق الكثير من الفرص الضائعة في القطاع بأكمله. لا ألقي اللوم على الطلاب وحدهم ولكن ألقي اللوم على الشركات الاستثمارية بشكل خاص. السبب وراء ذلك هو أن من يدير هذه الشركات غالب خبرتهم الاستثمارية تنحصر في مجال التداول في الأسهم. فتجدهم جميعا بتصارعون على كعكة صغيرة تنكمش عاما بعد عام.

العيب الشرعي في نموذج عمل ادارة الأصول في مجال الأسهم في سوقنا هو أن العميل المحتمل يعتقد بأنه قادر على تحقيق أداء مقارب أو أعلى من الشركات الاستثمارية في غالب الأحيان وهذا عائد إلى القيود الكبيرة على صناديق الاستثمار من هيئة السوق المالية وسأعود لهذه النقطة لاحقا. ببساطة اذا أردت أن تسمع من جميع أفراد المجتمع بأنه لماذا لم تشتر هذا السهم بعد ارتفاعه 20% وأنك فوّت على نفسك الربح فتخصص في مجال الأسهم. السبب لهذا التشوه في السوق هو أنه كان ولازال سوق الأسهم هو المجال الوحيد الذي يتداول فيه الجميع الصغير والكبير ناهيك عن التدوال على المعلومات الداخلية مما يجعل مدير الصندوق الأخلاقي في وضع محرج مقارنة بمن بخالفون الأنظمة.

أين الخلل؟ الخلل يكمن في أن انشاء وادارة صندوق أسهم هو أسهل طريقة للدعاية لهذه الشركات فالأمر لا يحتاج الى جهد كبير في التأسيس والادارة. لكن هذا يؤثر بشكل سلبي جدا على صورة الشركة في حال كان أداؤها سيء مقارنة بالصناديق الأخرى الذي في الغالب يدار بأيدي عاملة رخيصة. غالب هذه الشركات تعاني ولازالت تعاني في تحقيق أرباح لعدم التخصص فلا نكاد نجد مثلا شركات استثمارية متخصصة في الاستثمارات البديلة أو في استثمارات أسواق الدين. نجد في الأسواق العالمية العديد من الشركات الاستثمارية الصغيرة “بوتيك” متخصصة في أسواق معينة فنجد مثلا شركة أشمور تخصصها الرئيسي في أسواق الدين في الأسواق الناشئة وهكذا. هنا لا نجد هذا التخصص. نجد هنا بأن ادارات الشركات الاستثمارية ادارات ردات فعل أكثر من كونها ادارات خلق فرص. في الفترة بين 2012 الى 2015 نجد بأن نشاط الاكتتابات الأولية تسبب في انشاء صناديق عديدة للاكتتابات الأولية نجدها الآن خاوية على عروشها وهذا منعكس على حجم الصناديق الذي نراه حاليا. الأمر ذاته تكرر عندما تمت الموافقة على لائحة الصناديق العقارية المتداولة “الريت” تسابقت الشركات على انشاء هذه الصناديق بأحجام كبيرة لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل أن تجبر هذه الشركات على اغلاق أبوابها.

من منطلق حماية المستثمرين تقوم هيئة السوق المالية بفرض قيود صارمة على انشاء وكيفية ادارة أموال المستثمرين. هذا الأمر تسبب في قتل حماس ادارات الشركات الاستثمارية بخلق فرص جديدة ومنتجات استثمارية جديدة تلبي رغبة المستثمر وتخلق ميزة تنافسية للشركة الاستثمارية بالتخصص في منتجات فريدة من نوعها. هيئة السوق المالية يجب أن تكون أكثر مرونة في منح تراخيص الشركات وتراخيص المنتجات الاستثمارية سواء بتسهيل الاجراءات أو بوضع تشريعات تساعد هذا السوق على النهوض. عدم الوضوح الكامل في التشريعات سبب آخر في ضياع فرص عديدة على سوق المال والمستثمرين.

حتى نخلق منتجات استثمارية جديدة يجب أن تبدأ ادارات الشركات بشكل رئيسي على خلق منتجات استثمارية جاذبة بحسب طبيعة السوق الحالية. الفرص كثيرة ومجالات الاستثمار عديدة التي من الممكن أن تخلق سوق تمويلي جديد للشركات سواء بالدين أو بحصص الأسهم لدعم رؤية المملكة في المقابل تحقيق عوائد مجزية للمستثمرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *